ابن رشد
144
تلخيص كتاب ما بعد الطبيعة
44 - فهذا هو الذي أدّى إليه القول من أمر تصوّر هذه المبادئ ؛ إلا أنه قد يلحق ذلك شناعات كثيرة وشكوك : أحدها أن تكون هذه المبادئ جاهلة « 1 » بالأشياء التي هي لها مبادئ ، فيكون صدورها عنها كما تصدر الأشياء الطبيعية بعضها عن بعض ، مثل الإحراق الصادر عن النار والتبريد الصادر « 2 » عن الثلج ، فلا يكون صدورها من جهة العلم ؛ ومحال أن يصدر عن العالم من جهة ما هو عالم شئ لا يعلمه ؛ وإلى هذا « 3 » الإشارة بقوله تعالى « 4 » : « ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير » . وأيضا فإن الجهل نقص ، والشئ الذي في غاية الفضيلة ليس يمكن أن يوجد فيه نقص . 45 - فهذا أقوى الشكوك التي تلحق هذا الموضع « 5 » ؛ ونحن نحلها فنقول : إنه لما كان الفاعل إنما « 6 » يعطى المفعول « 7 » شبيه ما في جوهره ، وكان المفعول يلزم فيه أن يكون غيرا وثانيا بالعدد ، وجب ضرورة أحد أمرين : إما أن يكون مغايرا له بالهيولى ، وذلك لازم « 8 » متى كان المفعول هو الفاعل بالنوع من غير تفاضل بينهما في الصورة ؛ وإما أن تكون المغايرة التي بينهما في التفاضل في النوع الواحد ، وذلك بأن يكون الفاعل في ذلك النوع أشرف من المفعول ، فإن المفعول ليس يمكن فيه أن يكون أشرف من الفاعل بالذات ، إذ كانت ماهيته إنما تحصل عن الفاعل . 46 - وإذا كان ذلك كذلك فهذه المبادئ التي ليست في هيولى إنما يغاير فيها الفاعل المفعول والعلة المعلول بالتفاضل في الشرف « 9 » في النوع الواحد ، لا باختلاف النوعية ، ولما كان العقل الذي بالفعل منا ليس شيئا أكثر من تصوّر الترتيب والنظام الموجود في هذا العالم في « 10 » جزء جزء منه ، ومعرفة شئ شئ مما فيه بأسبابه البعيدة والقريبة حتى العالم بأسره ، وجب ضرورة ألا تكون ماهية العقل الفاعل لهذا العقل
--> ( 1 ) ق : حاصلة . ( 2 ) الصادر : ساقطة من ت ، ح . ( 3 ) ت ، ح : هذه . ( 4 ) م ، ح : الإشارة بقوله . ق : الإشارة إلى قوله تعالى . ( 5 ) ق : الوضع . ( 6 ) ت : الذي . ( 7 ) ح : المعقول . ( 8 ) ق : لأنه . ( 9 ) ت : أشرف . ( 10 ) ت ، ح : وفي .